زبير بن بكار

9

جمهرة نسب قريش وأخبارها

اختيار حادثة أو حادثتين في أحد مشاهده ، ممّا هو خليق أن يكشف عن جانب من أخلاقه أو شمائله . وجعل ذلك دأبه مع العلماء والشعراء والولاة وغيرهم ، ممن يمرّ ذكره في النسب . وهذا دليل بين على أن الزبير إنما أراد بأخباره أن يصوّر باللمحة الدالّة ، وبالحادثة المبينة ، معارف شخصيّة الرجل أو معالم حياته ، في إطار النّسب الحافل برجال القبيلة ونسائها ، منذ الجاهليّة إلى منتصف القرن الثالث للإسلام . وبذلك أصبح نسب البطن من بطون قريش ، ينبض بالحياة في كتاب الزّبير ، حتى تكاد ترى المذكورين في نسبه أحياء يغدون ويروحون ، ولكلّ أمري منهم سمة صريحة الدّلالة على شخصيته . فالفرق عندي بين كتاب الزبير وكتاب غيره ، أني أجده كتابا يتنغّش بحرارة الحياة ، على حين أرى سائر كتب النّسب كأنها دمى مرصوصة قد رقمت عليها أسماء أصحابها ، فإذا طمست الأسماء ، لم أجد في يديّ منها سوى مسّ الدّمى الباردة . وهذه الفضيلة التي انفرد بها كتاب الزبير بن بكّار ، لم تفلت عين رجل بصير من أهل العلم والأدب ، كان نافذ البصر فيهما ، ولكن شهرته في الغناء حجبت عن جماهير الناس نفاذه في تقويم الآداب ، وهو إسحاق بن إبراهيم الموصلي المغنّي ، [ 150 - 235 - ه ] . فقد روى الخطيب البغداديّ في كتابه « تاريخ بغداد » ، أن الزّبير بن بكّار لقي إسحاق بن إبراهيم الموصليّ ، فقال له إسحاق : يا أبا عبد اللّه ، عملت كتابا سمّيته كتاب « النّسب » ، وهو كتاب الأخبار ! قال الزبير : وأنت يا أبا محمد ، أيّدك اللّه ، عملت كتابا في « الأغاني » ، وهو كتاب « المعاني » ! وهذا الخبر ، على وجازة لفظ إسحاق وغموضه ، يدلّ على أن كتاب الزبير في النسب ، مباين لكلّ كتاب سبقه إلى عهد إسحاق . ونحن نعلم علم اليقين أنّ كتب النّسب التي سبقته لا تكاد تخلو من أخبار متناثرة لمن يجيء ذكرهم في سياقة النّسب ، كالذي نراه في كتاب مؤرّج بن عمرو السّدوسيّ ، [ 000 - 195 - ه ] ،